الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
326
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
إذن بين الواحد الشخصي وغيره ثم إن ما ذكرناه من المنع ظاهر بالنسبة إلى الوجوب العيني اليقيني سواء كان نفسيا أو غيريا أصليا أو تبعيّا نعم لو كان وجوبه مشروطا بحصول الحرام المفروض فيما إذا تعدد المتعلق فلا مانع حسب ما مرت الإشارة إليه وأما بالنسبة إلى الوجوب التخييري أو الكفائي فقد يقع فيه الإشكال سيما فيما إذا كان الوجوب تبعيا أو غيريا أو هما معا خصوصا إذا كان التحريم كذلك أيضا والحق فيه أيضا المنع كما سيفصل القول فيه إن شاء اللّه تعالى وبعض الصّور المذكورة هو موضع البحث في المقام على ما ذكره جماعة من الأعلام وستعرف حقيقة الحال فيه هذا وبقية الوجوه المذكورة مما يقع الكلام في جوازها ومنعها ونحن بعد ما نفصّل القول في المسألة نبين الحال في كل من الوجوه المذكورة إن شاء اللّه تعالى قوله الوحدة قد يكون بالجنس إلى آخره المراد بالجنس هنا يعم النوع كما هو المتداول بين علماء المنقول ونشير إليه مقابلته بالوحدة الشخصية قوله وربما منعه مانع لكنه شديد الضعف إلى آخره الظاهر أنه مبني على القول بكون حسن الأفعال وقبحها ذاتيا لها غير منفك عنها حسبما عزي إلى قدماء المعتزلة لا بحسب الوجوه والاعتبارات فإذا ثبت الحسن أو القبح لطبيعة في ضمن بعض الأفراد كان منوطا بنفس الذات أعني الطبيعة النوعية فلا يمكن انفكاكه عنها بالعوارض المصنفة أو المشخصة لأن ما بالذات لا يزول بالغير ومنه يعرف اختصاص المنع بالوحدة النوعية ولا يجري في غيرها لكن المبنى المذكور ضعيف جدا فإن التحسين والتقبيح العقليين يدور غالبا مدار الوجوه والاعتبارات كما سيجيء الكلام فيه مفصلا إن شاء اللّه تعالى ومع الغمض عن ذلك وتسليم كونهما ذاتيين للأفعال فليس الأمر والنهي دائرا مدار ذلك قطعا لوجوب الأمر بأقل القبيحين حينئذ عند دوران الأمر بينهما فأي مانع إذن من أن يكون بعض أصناف الطبيعة المنهي عنها مأمورا به يرتفع النهي بالنسبة إليه لدوران الأمر بين ارتكاب القبح الحاصل فيه وما هو أقبح منه وإن لم نقل حينئذ بانقلاب القبيح حسنا فتأمل قوله ومنعه بعض المخبرين لذلك نظرا إلى أنه إلى آخره يمكن أن يقرر كونه تكليفا محالا لا تكليفا بالمحال من وجوه أحدها أن الوجوب مشتمل على جواز الفعل وعدم جواز الترك والحرمة مشتملة على جواز الترك وعدم جواز الفعل وجواز الفعل يناقض عدم جوازه كما أن جواز الترك يناقض عدم جوازه وجنس الوجوب يناقض فصل الحرمة كما أن جنس الحرمة يناقض فصل الوجوب فيكونان في اجتماع الحكمين في محل واحد من جهة واحدة اجتماع النقيضين من وجهين ولو لوحظ اجتماع المجموع مع المجموع أعني نفس الحكمين كان من اجتماع الضدين ويدفعه أن مفاد الوجوب ليس إلا مطلوبية الفعل على سبيل الحتم كما أن مفاد الحرمة هو مطلوبية الترك على الوجه المذكور ومن البين أنه لا منافاة بين الطلبين من حيث أنفسهما واستلزام مطلوبية الفعل لجوازه بحسب الواقع ومطلوبية الترك كذلك أول المسألة والقائل بجواز التكليف بالمحال لا يقول به ثانيها أن إيجاب الشارع للفعل يفيد حسنه ونهيه عنه يفيد قبحه فيلزم من اجتماع الأمر والنهي كذلك اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد من جهة واحدة وهو جمع بين الضدين ويضعفه أنه إنما يتم عند العدلية القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين وأما الأشاعرة المجوزون للتكليف بالمحال فلا يقولون به وليس مفاد الحسن عندهم إلا ما تعلق به أمر الشارع والقبيح إلا ما تعلق نهيه ولا يتفرع على أمره ونهيه تعالى حسن عقلي للفعل ولا قبح كذلك فإنه كما ينكر الحسن والقبح العقليين مع قطع النظر عن أمر الشارع ونهيه كذا ينكرهما بعد تعلق الأمر والنهي أيضا بل ينكر ذلك ولو على فرض تسليمه للأول حيث إنه يمنع وجوب شكر المنعم الحقيقي على فرض تسليم الحسن والقبح العقليين فلا يحصل للفعل من تعلق أمر الشارع به إلا كونه مأمورا به ولا من تعلق النهي به سوى كونه منهيا عنه وهو مفاد الحسن والقبح الشرعيين عنده ومن البين أنه لا تضاد بين الأمرين المذكورين بحسب أنفسهما ليلتزم القائل بجواز التكليف بالمحال بالمنع منه نعم لا يمكن ذلك عند العدلية القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين ثالثها أن اجتماع الأمر والنهي يقتضي اجتماع الضدين بالنظر إلى الأمر فإن الأمر مريد للفعل كما أن الناهي مريدا لترك واجتماع الإرادتين بالنسبة إلى شيء واحد في زمان واحد اجتماع للضدين ويدفعه أنه إنما يتم إذا قلنا باشتمال الأمر والنهي على إرادة الفعل والترك وليس الحال كذلك عند القائل المذكور إذ ليس الأمر والنهي عندهم إلا نوعين من الطلب والطلب عندهم تغاير الإرادة النفسية إذ ليس الطلب عندهم إلا نفس الاقتضاء الإنشائي الحاصل بالأمر والنهي دون الإرادة النفسية الحاصلة مع قطع النظر من الأمر والنهي وقد مر بيان ذلك في مقامات عديدة هذا على مذهب هؤلاء وقد عرفت أن التحقيق عندنا اتحاد الطلب والإرادة العقلية التشريعية الحاصلة بإنشاء الصيغة وإثبات التضاد بين هاتين الإرادتين محل نظر إلا على قواعد العدلية من ثبوت التحسين والتقبيح العقليين فظهر مما قررنا أنه لا مانع من اجتماع الحكمين المذكورين في شيء واحد من جهة واحدة على قواعد الأشاعرة فالذي ينبغي أن يقال به على أصولهم هو الجواز فما عزي إلى جماعة منهم من القول بالمنع غير متجه على أصولهم وأما على أصول العدلية فلا يجوز ذلك مع قطع النظر من امتناع التكليف بالمحال عندهم لكونه حينئذ تكليفا محالا حسب ما قرر من الوجهين الأولين إذ لا مجال للمناقشة فيهما على أصول الجماعة نعم لا يتم الوجه الآخر على أصولهم أيضا إلا مع القول باتحاد الطلب والإرادة النفسية كما هو الظاهر من كلامهم كما مر إلا أنه موهون بما فصلنا القول فيه في محله قوله لأن مفاد الحكم بجوازه كأنه إشارة إلى الوجه الأول وهو اجتماع الجواز وعدمه في شيء واحد فإن حكم الشارع بالجواز وعدمه في شيء واحد يقتضي ثبوتهما بحسب الواقع لعدم جواز الكذب عليه تعالى فيلزم الجمع بين الضدين وأنت خبير بأنه بعد تسليم إرجاع الأمر والنهي إلى الحكمين الجزئيين أنهم لا يثبتون الكذب عليه تعالى بناء على أصولهم فلا يقتضي حكمين بثبوت الضدين وجودهما بحسب الواقع ليلزم المحال وقد يقال إن المراد لزوم حكمنا بثبوت الجواز وعدمه يعني أن اللازم من اجتماع الأمر والنهي ثبوت المتنافيين حسبما أشرنا إليه فينطبق على الوجه الأول وقد عرفت ما فيه قوله فهو في محل البحث في المقام لا يخفى أنه لا فرق في ذلك بين تعلقهما بواحد شخصي أو كلي إذا لم يكن هناك ما تميز مورد الأمر عن مورد النهي بأن يجعلهما شيئين ومرجع ذلك إلى الواحد بالشخص كما مرت الإشارة إلى نظيره ثم إن المختار عند جماعة من المتأخرين في تحرير مورد النزاع حسبما يستفاد من الدليل الآتي أن البحث في تعلق الأمر والنهي بكليين يكون